محمد الحضيكي
581
طبقات الحضيكي
فاعتبر الناس والسلطان من ذلك ، وزاد احترام الشيخ وتوقيره ، ولا يقرب أحد من الأمراء ساحة زاويته بسوء من مسافة بعيدة ، ويتبعون الجاني حتى يدخل تلك الساحة رجعوا عنه ، ومن جاوز ذلك ودخل في الساحة أصابته عاهة في الحين ، وليس لزوايا المغرب حرمة مثل حرمة زاويته . وتوفي رحمه اللّه في أواخر العشرة السادسة من القرن العاشر ، ودفن بزاويته ، انتهى . ومما شاع من كراماته ؛ أن سلطان الوقت نزل بظاهر مكناسة قريبا من زاوية [ 455 ] الشيخ ، وأقام به ، فجاء بعض أصحاب السلطان يزوره ، وكان بصومعة زاويته ، / فقال : يا سيدي سعيد ، أو ما علمت بكون السلطان هنا ، ولم تلقه ؟ فقال له الشيخ - وأخرج ذراعه ومدها - : السلطان هو الذي عرفته أنا . فجعلت الصومعة تضطرب وتتحرك كالغصن ، ففزع صاحب السلطان ، ولجأ إلى الشيخ ، وأمسك برجليه ، وجعل يتضرع إلى اللّه ، إلى أن سكن حاله وسكنت الصومعة ، فلما ذكر ذلك للسلطان قال له : أي شيء دعاك إلى ذلك حتى أحرجت الشيخ وقال ما قال ؟ ! ومن كراماته ؛ أنه لما ولى الشرفاء الملك ، أتاه خديمهم يطلب عنده ما استودع عنده بنو مرين من أمتعتهم ، فوجده جالسا بناحية من زاويته يضفر الدوم ، فجلس وإذا بطائر لعله [ البلورج ] أسلح أمامه ، فما رفع الشيخ بصره حتى سقط الطائر ميتا فتطاير الريش ، فلما رآه خديم الملك فزع وولى هاربا . ومنها أن سيدي أحمد الشريف « 1 » نزيل بني سليمان « 2 » من جبل لمطة « 3 » ، وكان صاحب حال ، وله قدم في الطريق ، وقعت له وحشة في باطنه بينه وبين سلطان الوقت ، وهو أبو عبد اللّه محمد الشيخ المهدي ، أدى ذلك إلى أن صرف همته لإهلاكه ، فدخل عليه في الغيب ليوقع به بشاقور في يده ، أو ورد عليه بذلك وارد جبري ، فإذا بالشيخ صاحب الترجمة قائم عليه ، ويده على رأسه كالحافظ له ، فلم يكن إلا أن التفت إليه وقال له كالمنكر عليه : إلى هاهنا اذهب ، فما لك إلى ذلك سبيل ، فرجع .
--> ( أ ) م : البلوج . وفي ت : بارح . ( 1 ) أحمد بن عمرو الشريف السلماني اللمطي ، من كبار أصحاب سعيد المشترائي . ( راجع : التحفة : 57 ، الطرفة : 6 ، منحة الجبار : 164 ) . ( 2 ) قبيلة غمارية ، من قراها أزفون ، أخريفن . ( انظر معلمة الصحراء : 2 / 111 ) . ( 3 ) عبارة عن منحدر جبلي شمال فاس ، وأهم مرتفعاته زلاغ والتغات . ( راجع وصف إفريقيا : 1 / 226 ) .